Thursday, May 7, 2009

[الأبـنـوي] عودة التراضي السعودي الأمريكي قد تنتهي بالدموع + الشويقي يشن هجوما عنيفا على المالكي



 
الدليل على كذب الادعاء بأن الملك عبد الله صافح بيريز .
انظر إلى انتفاخ الطبيشي وحركة يديه !.

شعار



 

  

 

ما ابي اشوف هذا الوجه الصهيوني ..... أبشر طال عمرك

 

 

اجتماع الامم المتحدة 21 - 11 - 2008
اصرت الحكومة الاسرائيلية على توزيع هذه الصورة التي تظهر الملك السعودي عبدالله وهو يحجب عن رؤية الاسرائيلي شمعون بيريز من قبل رئيس المراسم الطبيشي.
كما يظهر شيمون بيريز وهو يحاول لملمة ماء وجهه بصرف نظرة لمكان آخر

 

 

 

 


 ----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

  عودة التراضي السعودي الأمريكي قد تنتهي بالدموع

 

رولا خلف

5 مايو 

الفانيانشل تايمز اللندنية

 

بالظاهر هو حفل حب، يوم احتفال لزوجين متباعدين تراضيا أخيراً، والآن يخططان بسعادة لمستقبل مشترك. الواحد تلو الآخر من السياسيين والرسميين الأمريكان يصفون على الخط في مؤتمر واشنطن الأخير للثناء على مبادرة السلام السعودية عام 2002 حول الصراع العربي الإسرائيلي، باعتبارها تاريخية وفريدة وجريئة. ويليم بورنز، مسؤول الشؤون السياسية في الخارجية الأمريكية، أوضح كيف أن مصالح بلاده والسعودية تلتقيان، ووصف العلاقة الأمريكية مع المملكة، وبقية دول الخليج، بأنها غير قابلة للاهتزاز.

 

كان بالقاعة شعور بالارتياح. فخلال الثماني سنوات الماضية استمرت صدمة في "العلاقة الخاصة" مع السعودية. ورغم أن الرئيس الصديق، جورج بوش، كان في البيت الأبيض، لكن هجمات 11 سبتمبر، المنفذة من شباب أغلبهم سعوديون، حولت المملكة إلى عدو للشعب.

 

بالنسبة للسعوديين، فإن مؤتمر 27 أبريل، المرعي من المؤسسة الأمريكية الحديثة ومن مجموعة التجارة الدولية، أوضحت أن إدارة أوباما ستساعد في طي صفحة الماضي القريب. وكما قال أحد مندوبي السعودية:" لقد عدنا لما قبل 11 سبتمبر."

 

لا شك أن الرئيس الجديد الذي يريد إعادة الصورة الأمريكية، خاصة بين المسلمين، يرى القيمة في تقوية التحالف مع المملكة. وفي نفس الوقت الآن الأزمة الاقتصادية والصراعات السياسية الإقليمية، فإن أمريكا تحتاج دعم السعودية في العديد من القضايا، من تثبيت سعر النفط حتى التعامل مع أفغانستان وباكستان وإيران، والدخول بفعالية أكبر في البحث عن السلام للشرق الأوسط.

 

ولكن، فلكل هذا الدفء والصفعات الخلفية المتبادلة في واشنطن، فإن المؤتمر أيضا يبين أن هناك إمكانية بقاء الصدام. مسؤول سعودي رفيع أخذ بسرعة السيد بورنز ليشجب تصريحه بأن الملك عبد الله التقى شمعون بيريز، الرئيس الإسرائيلي، في السنة الماضية. أيام بعد لقاء واشنطن، كان السعوديون، وفي بالهم تأثي هذا الخبر على الرأي العام المحلي، منزعجين بهذا التصريح (رغم أن هناك تصديق بأنهم التقوا سرياً مع إسرائيليين في الماضي). وصرح مسؤول لم يذكر اسمه لوكالة الأنباء السعودية أن الرياض تطلب سحب هذا التصريح من الخارجية الأمريكية، واصفا تقرير بورنز بأنه " لا أساس له ومختلق".

 

الصراع العربي الإسرائيلي يمكن أن يكون سببا لمزيد من التوتر. إدارة الرئيس الأمريكي قامت ببداية مناسبة، موضحة بجلاء، على عكس الإدارة السابقة، أنها تريد أن تصنع السلام، أكثر من الدخول في عمليات لا نهائية للسلام.

 

ولكن النتائج سيكون صعباً الوصول إليها، والصبر السعودي قد ينفذ. الأمير تركي الفيصل، الرئيس الأسبق للاستخبارات والسفير السابق في واشنطن، كتب في الفاينانشال تايمز في يناير أن على أمريكا أن تعدل كثيرا من سياستها تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي - أي أن تضغط على إسرائيل - إذا أرادت أن تحافظ على علاقاتها الإستراتيجية مع الرياض.

 

ومثلما يطالب السعوديون الأمريكيين بالتحرك، فإدارة الرئيس باراك أوباما هي أيضا تتطلع إلى امتيازات غير مريحة. بالفعل، هناك توقعات في واشنطن أن أية خطة تُصنع من جورج ميتشل، المندوب الأمريكي، ستتضمن الضغط على البلدان العربية للبدء بعلاقات التطبيع مع الدولة اليهودية- وهو شيء يصرّ السعوديون أنه يحصل فقط عند الوصول للسلام.

وأيضا في سياسة الطاقة هناك عدم اتفاق. فلكي تقلل إدارة السيد اوباما اعتماد أمريكا على النفط فقد أغضبت السعوديين. ففي الليلة قبل المؤتمر، قال الأمير تركي للمندوبين أن الإدعاء بأن المستقبل قد لا يعتمد على النفط هو "مضلل" و "مخادع".

 

بالنسبة للسعودية، فإن الاختبار المهم ، إن لم يكن الأهم، هو تحويل صورتها في أمريكا. فحسب استطلاع شؤون العالم لحولية جولاب (Gallup)، حتى شهر فبراير، فإن 60% من الأمريكان لا يزالون ينظرون للبلد على انه غير مفضل. لذا الوعي لا يزال لم يشف من 11 سبتمبر.

المؤتمرات التي تجمع النخب لتتقارب من بعضها سوف تساعد، ولكنها لن تكون كافية. " أنا لست متأكداً أن حفل الحب سيبقى لوقت طويل،" كما أفضى بذلك مندوب سعودي. " ولكننا مستمتعين به الآن."

         

----------------------------------------------------------------------------------

 

ألم اقل لكم أن الزميل بندر صاحب نكتة..الظاهر انتهى من بحثه الطويل ، وروّق - بدارجتنا الحجازية - وأرسل لنا هذه المداخلة..عبدالعزيز قاسم

 

 

(الشويقي يشن هجوماً عنيفاً على عبدالله المالكي).

 

قبل أن يقرأ أخي الشيخ عبدالله هذه التعليق، أتمنى ألا يأخذ عنوانه على محمل الجد، رغمَ أني أنا من وضعه، وليس حبيبنا عبدالعزيز قاسم. ذلك أني رأيت أبا أسامة شغوفاً بتلك العناوين المتفجرة، محباً لإيقاد الحروب التي طالما أطفأها الله بلطفه رغم أنف أبي أسامة. غير أني علمتُ أن الرجل مشغول من جهاتٍ عدة: (عمله في التعليم العام ( استقلت منها يا حبيبي لاتفرغ لك ) )، ثم (ملحق الدين و الحياة)، ثم (رئاسة تحرير مجلة رؤى الفاتنة)، ثم (برنامج البيان التالي بقناة دليل)، ثم (مجموعته البريدية)، ثم (أم أسامة السلفية وتوابعها). فمراعاةً لمشاغل أخينا الكثيرة، ورغبةً في التخفيف من أعبائه، فقد تبرعت بافتعال عنوانٍ تحريضي لمقالة أخوية، حتى أوفر عليه بعض وقته.( ما قصرت وليت الزملاء يحذون حذوك يا شيخ بندر وتوفروا عليّ اختيار العناوين )

 

**********

 

أحب أولاً أن أبدي تقديري وإعجابي بأخي الشيخ عبدالله، ذاك الجداوي الحاذق، الذي جمع أدباً وفهماً يغبط عليه. فهو من النوع الذي يسرك دخوله معك في أي حوارٍ، سواءٌ وافقك فيه أو عارضك؛ إذ لن تعدمَ منه فائدةً على الحالين، فهو باحثٌ صادقٌ، لن تجد في كلامه أي تهويشٍ أو تشغيب على الموضوع الأساس الذي هو محل البحث.

 

غير أن لي ملحظاً على ما كتبه أخونا الفاضل.

 

ذلك أن موضوع بحثنا وخلافنا يتعلق بالنتائج التي انتهى إليها الجابريُّ في كتابه المتأخر: (المدخل إلى القرآن الكريم)، الذي أصدره سنة (2006م). وأخونا الشيخ عبدالله نقل لنا نصوصاً من كتاب الجابريِّ الأقدم: (المسألة الثقافية)، الذي صدر قبل خمسة عشر عاماً، سنة (1994م)!

 

فالشيخ عبدالله ذهب إلى الكتاب القديم، ونقل منه عباراتٍ (وردت عرضاً) تثبت أن الجابريَّ ينفي النقص عن القرآن الكريمِ، في حين أهمل كلام الجابريِّ في كتابه الأخير الذي عقد فيه عنواناً خاصاً لبحثِ مسألة الزيادة والنقصان في القرآن، و هو المبحث الذي لم يذكر فيه حرفاً واحداً ينفي فيه النقصَ عن القرآن في الفترة التي سبقت زمن عثمان –رضي الله عنه-، بل تكلم بما يفيد وقوعَ ذلك النقص.

 

قد يكون الشيخ عبدالله أرادَ أن يفسر بعض كلام الجابريِّ ببعضه الآخر. لكن هذا المسلك إنما يكون حين نكون أمام كلام مجملٍ مبهمٍ غير واضحٍ، يفسره كلامٌ آخر مفصل ظاهر المعنى. بينما الواقع أننا أمام فكرتين متناقضتين تماماً: فكرةٌ في كتابٍ قديمٍ، هدمتها فكرةٌ أخرى في كتابٍ متأخر.

 

وحتى يتيقن أخي الشيخ عبدالله من ذلك، ليحاول الجمعَ بين هاتين العبارتين:

 

فقد نقل أخونا من كتاب (المسألة الثقافية) قول الجابريِّ: "النقد اللاهوتي الذي من هذا النوع لا يمكن ممارسته على القرآن، لأنه من الثابت تاريخياً أنه هو نفسه الذي نزل على النبي محمد ، وليس هناك ما يبرِّر أي شك في هذا".

 

ليتأمل أخي قول الجابريِّ: "ليس هناك ما يبرر أي شكٍ في ذلك"، ثم ليقارنها بقوله في (المدخل ص232) عن فترة ما قبل عثمان –رضي الله عنه-:

"القرآن كان مفرَّقاً في صحفٍ وفي صدور الصحابة. ومن المؤكد أن ما كان يتوفر عليه هذا الصحابيُّ أو ذاك من القرآن –مكتوباً أو محفوظاً- كان يختلف عما كان عند غيره كمَّا وترتيباً. ومن الجائز أن تحدث أخطاء حين جمعه زمن عثمان أو قبل ذلك. فالذين تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين...".

 

بمقارنة النصين، سوف يلحظ أخي –دون عناءٍ- التغير الذي طرأ على موقف الجابريِّ في كتابه الأخير. وليلحظ أخي أن الجابريَّ بعد هذا النصِّ مباشرةً شرعَ في تأويل الآيات التي تدل على أن الله حفظ القرآن من التغيير والتبديل، ليثبت أنها لا تتعارض مع وقوع النقصان فيه.

 

 وأود التنبيه هنا إلى معلومةٍ ذات أهميةٍ كبرى تتعلق بمسألتنا هذه. فالجابريُّ سبق أن  نشرَ مبحث الزيادة والنقصان هذا مفرداً في جريدة الاتحاد الإماراتية، وأضاف بآخره أسطراً غير موجودة في الكتاب المطبوعِ، ذكر فيها أن قول الله –عز وجل-: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، محمولٌ على أن الله إنما تكفل بحفظ كتابه فقط بعد جمعه وقت عثمان، أما قبل ذلك، ففي رأيه أن القرآن لم يكن محفوظاً من التبديل والتغيير، بل ذكر أن الدليل يثبت وقوعَ ذلك التغير.

 

وهذا رابط المقالة ، لمن أحب الاطلاع عليها كاملةً.

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=23409

 

لماذا قال الجابريُّ بوقوعِ النقصان؟

 

 

حتى يتضح الإشكال التي واجهه الجابريُّ، واضطره لتغيير موقفه والميل إلى القولِ بسقوط آياتٍ من القرآن الكريم. دعونا نتأمل هذه النقاط الآتية المتسلسلة :

 

(1)   ا(1) الجابري في كتابه المدخل، اقتحم عالم الأخبار والمرويات التي تتعلق بتاريخ تدوين القرآن الكريم، وجمعه في مصحفٍ واحدٍ. وحين دخل الجابريُّ هذا الميدان انطبق عليه قول سفيان بن عيينة: (الحديث مضلةٌ، إلا للفقهاء). وبيان ذلك في النقطة التالية.

 

(2)   ا(2) لجابريُّ لا يملك أدوات التمييز بين المرويات. فمصادر الرواية كلها عنده بمنزلة واحدة، تماماً كما هي طريقة المستشرقين. وهو في بحوثه كثيراً ما ينتقي من الأخبار ما يخدم فكرته، دون نظرٍ في ثبوتها. بل ربما رد المتواتر، وقبل الأخبار التالفة. ولربما اعتمد في نقل أحاديث عن الصحيحين أو أحدهما على مثل كتاب (ضحى الإسلام) لأحمد أمين!

 

(3)   ((3) علاوةً على مشكلة المرويات الساقطة التي اعتمدها الجابريُّ، هناك مرويات أخرى صحيحة تتعلق بآياتٍ منسوخةٍ أسقطها الصحابة عمداً عندما جمعوا المصحف زمن أبي بكر الصديق (وليس زمن عثمان كما ظن الجابري).

 

 

  (4) مشكلة الجابريِّ مع مثل تلك المرويات الصحيحة أنه لا يؤمن بوقوع النسخ في القرآن الكريم. و هو وإن لم يذكر ذلك في كتابه (المدخل)، إلان سبق أن شرحه في مقالة منشورة –أيضاً- في جريدة الاتحاد الإماراتية بعنوان: (وقوع النسخ : انعدام الدليل القرآني).

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=29050

 

(5)    (5) هنا وقع الجابريُّ بين حجري الرحا: (مرويات باطلة ظنها صحيحةً + مرويات صحيحة تتحدث عن نسخٍ لا يؤمن به). فماذا سيصنع الجابريُّ بتلك المرويات الكثيرة التي تقول إن آية كذا كانت في سورة كذا، فرفعت. وأن سورة كذا كانت تعدل البقرة فأسقط منها؟

 

(6)    (6) من هنا بدأت تتزعزع قناعة الجابريُّ بكمال النص القرآني. فصار يتعامل مع تلك المرويات على أنها تتحدث عن آياتٍ ذهبت من الصحابة وسقطت منهم سهواً، فلم يدرجوها في المصحف.

 

(7)    (7) كان الجابريُّ يورد تلك المرويات التي تتحدث عن آياتٍ منسوخة أسقطها الصحابة، فيعلق عليها بعباراتٍ من مثل: (يبدو أن ما سقط من سورة الأحزاب مبالغٌ فيه). فظن بعض من لم يفهم مذهبه أنه لم يخرج عن مضمون تلك المرويات المتعلقة بالنسخ، وأن كلامه جاء في سياقها، فهو بالتالي يعني ما عناه أصحابها، بينما الواقع أن تلك المرويات تتحدث عن شيءٍ (النسخ)، وهو يتحدث عن شيءٍ آخر (خطأ في الجمع).

 

هذا باختصار تصوري للطريق الذي سلكه الجابريُّ، فانتهى به إلى القول بنقصان القرآن الكريم. أو على الأقل تجويز وقوع ذلك النقص.

 

بندر الشويقي.

 

---------------------------------------------------------------------------------------------------------

 

صديقنا العزيز الكاتب وائل مرزا يرسل لنا هذه المقالات :

 

العزيز أبو أسامة

أعتقد أن هذا الملف هو أهم ملف يمكن أن يُطرح على الساحة الفكرية اليوم. خاصة إذا أمكن معالجته بدرجة من الموضوعية والهدوء. وأرجو المساهمة مبدئيا بثلاثة مقالات كتبتها في الموضوع في مواقع مختلفة. وتقبل وجميع الزملاء خالص التحية

وائل مرزا

 

زمن سقوط المُحرّمات

 

تتساقط المُحرَّمات في الواقع العربي واحدةً تلو أخرى . يحزن البعض ويفرح آخرون ويختار البعض الثالث موقف الإنكار . ولكن المحرمات تظل تتساقط كأوراق الشجر في خريفٍ شديد الرياح .

في يومٍ مضى . كان لدينا في كل دولة قناةٌ (أرضية) يتيمة وإذاعةٌ واحدة . و دائما ، صحيفةٌ بثلاثة أسماء مختلفة .. يُمسك العربي بالصحيفة وينظر إلى الشاشة ويسمع المذياع في نفس الوقت ، فيعرف تفاصيل (الخبر) . نفس الأسماء ، ونفس الكلمات ، ونفس الأوصاف ، ونفس الألقاب ، ونفس الشعارات ، ونفس (التهذيب) و(النظام) .. كان التهذيب والنظام سائدين في كل شيء : في السياسة ، وفي الاجتماع ، وفي الثقافة، وفي الإعلام ، وحتى في الفن .

حَرسَ العرب حدود الأرض زمناً ، وأتقنوا سَنَّ قوانين الضبط والربط في الواقع الحقيقي . ثم انطلقت الأقمار الصناعية إلى السماء ، فصارت الحدود وهميّةً ، وبقيت القوانين حبراً على ورق أمام الواقع الافتراضي . (تشاطروا) في شراء التكنولوجيا ، تكنولوجيا الرقابة والمتابعة . فباغتتهم تكنولوجيا من نوع آخر : الرسائل ، صارت إلكترونية . الهاتف ، أصبح لاسلكيا ونقالاً . والتشويش، بات أقرب إلى المستحيل . النشرُ كان حلماً صعب المنال ، فصار حتى الأطفال ينشرون قصصهم في ساحات الانترنت . التوزيع وإيصال الفكرة والمعلومة كان مهمةً دونها تحريكُ الجبال ، فأضحت أسهلَ مايمكن أن يقوم به إنسان . وأهمّ من هذا وذاك . كان البحثُ عن إجابات مثل البحث عن العنقاء ، فجاءت (غوغل) و(ياهو) وأخواتها وانقلبت المعاناة لتكون من كثرة الإجابات والخيارات .

حاول العرب مقاومة الخطر الأكبر في البداية : مُنع استيراد الأطباق من كوريا ، فصنّعها الناس من الأواني المحلية . لم يُسمح بنصبها هنا وهناك ، فرفع الناس جدران الأسطح ، وقلّصوا حجم الأطباق ، وتفنَّنوا في زرعها خلف النباتات والأشجار . رُفعت الأسعار ، فانتشر بيع أجهزة فك الشيفرة ، واتفق أهل كل عمارة على شراء (دِشّ) واحد للجميع . وفي كل حال ، قَطعَ الناس من رزق أطفالهم وأقنعوهم أن يشبعوا بشيءٍ من الحرية .

كانت معركةً خفيةً وغريبةً تلك التي دارت على الأرض العربية في السنوات القليلة الماضية . حُسمت المعركة في النهاية مع تغير الأعراف العالمية في حقل المعلومات والاتصالات . صار عيباً عدمُ وجود أجهزة كمبيوتر في بلد معين . وأصبح افتقادُ الانترنت مسبّةً . وغياب شبكةٍ للهاتف الخليوي بات مدعاةً للتهكّم والسخرية . فاستسلم أصحاب الشأن لأمرٍ قد توجَّه .

وشيئاً فشيئاً ، انهارت منظومة المتابعة والمراقبة التقليدية ، ومعها انهارت قوانين الضبط والربط والمنع .

بمقاييس حياة الشعوب والحضارات ، حصل كل شيء بسرعة . لم يكن الواقع العربي مهيئاً للتعامل مع هذه النقلة الواسعة بكل الموازين . لم يكن يوجد في ذلك الواقع مايصلح للتعامل مع النقلة بشكل طبيعي ، لاقانونياً ولاثقافياً ولا اقتصادياً . فقد تمّ بناءُ المنظومة القديمة كلها في اتجاه آخر ، وللتعامل مع هموم مغايرة ، ولمعالجة قضايا مختلفة كلياً .

كانت مفارقةً تاريخية كبيرة .  ذلك أن عُودَ النظام السياسي العربي الذي اشتدَّ في السبعينيات ، جعلَ الهياكل والأنظمة والقواعد والقوانين والتصورات مصممةً لعالم السبعينيات . وبفعل رؤيةٍ ثقافية ترتاح لاستقرارٍ مجبولٍ بالتقليد والجمود وتفترضه قاعدةً للحياة ، كانت القناعةُ سائدةً بأن قواعد ذلك العالم ستبقى كما هي عليه لجيل أو جيلين على الأقل . أما القوى الأخرى، من أقصى اليمين لأقصى اليسار ، فقد كانت جزءاً من المنظومة الكبيرة . كان بعضها يحسب نفسه مستقلاً ، يتموضع خارج الجزء السياسي أو الثقافي منها . بل إن بعضها الآخر كان يظن أنه ثائرٌ عليها ومضادٌ لها . لكنها كانت جميعا في النهاية مولودةً من نفس البوتقة الثقافية / التاريخية . حاملةً لإفرازاتها ولملامحها . مصبوغةً بمعطياتها ومسلّماتها . وحكماً ، كانت لاتمتلك سوى أدواتها ولغتها ومفاهيمها ووسائلها ، وإن تغيرت النكهات . 

جاءت النتيجة طبيعيةً . عمّت الفوضى في كل اتجاه . وشاع الانتقال من النقيض إلى النقيض في كل مجال ، وعلى كل مستوى . صار الممنوع مسموحاً . إن لم يكن بحكم القانون والعرف ، فبحكم الحال والواقع . وبدأ التغيير . تدريجياً ولكن مؤكداً .

ثم جاءت ثالثة الأسافي مع عودة العرب والمسلمين المفاجئة أيضاً وأيضاً إلى بؤرة الصراع العالمي . ففي الماضي ، كان لنا مع الغرب خاصةً ومع العالم بشكل عام علاقة . ولكنها كانت علاقةً من نوع خاص . نحن نسمع عنه وهو يسمع عنا ، ولكن من بعيد . كنا نعرفه من خلال الفلاتر السياسية والأيديولوجية : استعمار ، امبريالية ، عدو ، حليف استراتيجي ، بلدان صديقة .. وكان يعرفنا من قراءة قصص علاء الدين وألف ليلة وليلة . وفي أحسن الأحوال ، من كتب الاستشراق . ورغم كل الحروب وكل المشاكل وكل النزاعات ، لم يكن الغرب بالذات يكترث كثيراً بما يدور داخل أرضنا في النهاية .  

كانت الأمور تسير . ترتيباتٌ معينةٌ هنا وتوازناتٌ معينة هناك . هو في حاله ، ونحن في حالنا ، والأمور دائماً تسير .

ولكن كل هذا تغير مع سبتمبر الأول في الألفية الجديدة . تحطمت جميع الموازنات والترتيبات . وتغيرت كل الحسابات . دخل العرب الواقع العالمي المعقّد من بوابة سبتمبر بنفس سرعة الطائرات التي اقتحمت الأبراج . وبدأ العالم بالمقابل يدخل في كل ذرةٍ من نسيج العالم العربي .

وفجأة ، تداخلت القضايا . تشابكت المصالح . تنوعت الاهتمامات . تناقضت الأولويات. ومرةً أخرى ، جاءت النتيجة منسجمةً مع مقدمتها . تسارعت وتيرة انهيار المنظومة القديمة من كل ناحية . أضحى كل مسكوتٍ عنه مجالا للنقد والتحليل والمراجعة بل وللاتهام والهجوم . لم يعد هناك حصانةٌ من أي نوع . لاسياسياً ولادينياً ولا اجتماعياً . بقي البعض يؤمن بمراجع أيديولوجية أوسياسية ، شخصية أو نظرية . ولكن عقلية (المرجعية) بدأت تتآكل بشكل ظاهر . لم تعد هناك جهةٌ أو جماعةٌ أو حزبٌ أو فردٌ فوق نقدٍ يأتي من طرف من الأطراف .

وفي حين كان يمكن كتابة مجلد عن (المسلّمات) في العالم العربي من سنوات ، لم تبق هناك فكرةٌ لاتقبل النقاش أو الجدل أو التشكيك في الزمن الراهن . إن لم يكن في الواقع ففي الصحف . وإن لم يكن في الصحف والمجلات فمن خلال رسائل الهواتف النقالة ، وإلا فعلى الفضائيات ، وإن لم يكن عليها فعلى الانترنت . وهكذا دواليك . والذي لايعرف هذه الحقائق بالشواهد والأمثلة لايعرف شيئا عن الواقع العربي المعاصر . باختصار ، بدأت رحلة سقوط المحرمات . وأصبح صعبا أن تتوقف على المدى المنظور .

ولكن ، هل أصبح هذا قدراً لافكاك منه؟ كيف نفهم الظاهرة ونفسرها بشكلٍ أوضح؟ ماهي المحرمات أصلاً وما علاقتها بالمقدسات؟ وهل يمكن التعامل مع كل هذا ولو بشكل مبدئي؟ هذه هي أسئلة المقال القادم .

 

الدفاع عن المقدسات في زمن سقوط المحرمات

 

منذ أسبوعين أو ينيف ، خرجت مظاهرةٌ في جمهوريةٍ عربية ترفض التمديد والتوريث للرئيس وترفع شعار "كفاية" ! وبعدها بأيام ، خاطبَ صحافيٌ عربي رئيس دولةٍ عربية عبر قناة فضائية قائلا له أمام ملايين البشر : "ياسيدي أنا أكبر منك سنا"؟! وقبل ذلك وبعده ، امتلأت مواقع على شبكة الانترنت ، وفي الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية ، بأقوال ومقالات وآراء ودراسات تشكك في كثير من "المسلمّات" الدينية والاجتماعية .

وفي حين كان العمل في الفن مدعاةً للاتهام في الماضي ، أصبح منتهى أمل عشرات الآلاف من شباب العرب، وعائلاتهم ، الوصول إلى واحد من برامج اكتشاف المطربين . بل إن الصوت الجميل نفسه لم يعد مهما . أصبح لدى العرب لقب فني جديد هو "المؤدي" . والتوصيف الوظيفي للمؤدي يتعلق بمقاييس الصورة والجسد ، وبحجم القماش الذي يغطي الإنسان . ولا علاقة للأوتار الصوتية بالموضوع من قريب أو بعيد . صار ممكنا أن يقف العالم العربي على قدمٍ واحدة بسبب فتاة عادية "مؤدية"، في العشرينيات من عمرها . لم يكن لها في الماضي أن تحلم بأكثر من لقمة عيش وزواجٍ يستر . وإذا بها اليوم تقيم الدنيا ولا تقعدها. فواحدة تُمنع من دخول بلد بقرار سياسي وأمني من أعلى الجهات . وأخرى تُثير أزمة اجتماعية وسياسية في بلد آخر، وزميلتها تواجه تظاهرات حاشدة ضدها في بلد ثالث .

وبينما كان الحديث علناً في مسائل الحب والغرام والجنس من أكبر المحرمات ، بات الشباب يتفنن في كتابة عباراتها ويدفع من مصروفه لإظهارها على شاشات التلفزيون أيضا أمام الملايين . ووصل الأمر إلى درجة أن يرفع رئيس شرطة مدينة مثل دبي دعوى على بعض الفضائيات للحفاظ على الأخلاق العامة .

كثيرة هي أمثلة سقوط المحرمات . وماسبق ليس سوى غيض من فيضها الواسع . والذي يدرك ملامح هذا العصر يعرف أن هذا كله ليس سوى أول الغيث . وأن القادم أعظم . وإذا كان المرء مصراً على تعريف المحرمات بشكله السائد ، فلا يمكن إلا تبشيره بأن توالي سقوط المحرمات أصبح قدرا لافكاك منه ، أقله على المدى المنظور في هذا العالم العربي .

كيف نفهم هذه الظاهرة ونفسرها بشكل أوضح؟ كيف نتعامل معها؟ تحدثنا في المقال الماضي عن عوامل تفسر جانبا من الظاهرة . ولكن هناك عاملا أساسيا آخر ينبغي الحديث فيه بصراحة ووضوح : إعادة تعريف المحرّمات . إعادة تحرير القول فيما هو (مُحرَّم) و(مُقدَّس) في الثقافة العربية الإسلامية . ففي ثقافةٍ تؤثر السلامة والكسل الذهني وتحتفي بالمنع وسيلةً للحفاظ على القيم . وفي ثقافةٍ اختلطت فيها مقاصد الشرع بأفهام البشر بالعادات والتقاليد . وفي ثقافة شكّلت جزءاً كبيرا منها مصالحُ أفراد أقوياء سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. توسّعت دائرة المحرّمات ، وتكاثرت أنواع المقدّسات .

كان كل شيىء مضبوطا في واقع العرب إلا شيئا واحدا كان عصياً على الضبط . ذلك هو الإفراط في الضبط. ففي مجال الدين كما في مجال السياسة ، وفي مجال الفكر والثقافة كما في مجال الاجتماع البشري ، وفي مجال الأدب كما في مجال الفن . كان يوجد باستمرار من يقول بضرورة الحفاظ على القيم ، والمحافظة على الأصالة ، وتأكيد الاستقرار . والمدخل السهل دائما ، والمقبول دائما ، هو مدخل المنع والضبط والتحريم .

كانت (الظروف) العربية استثنائيةً على الدوام . وكنا دائما أمام (منعطف) تاريخي . فأضحت مقتضيات فكرة (الحفاظ) و(المحافظة) قوية ، بحيث كان نادرا وجود من يريد أن يُتهم بخرقها . وكانت وسائل وأساليب الخرق ضعيفة ، بحيث كان عبثيا التفكير بذلك أصلاً .

أصبح الإسهام في التحريم ، والإبداع في الضبط ، والتفنن في المنع ، وظيفةً وإنجازاً وطريقا للمناصب المعنوية والمادية . اشتعلت المنافسة ، واحتدم السباق .  وفي كل مجال ، صار هناك ملكيون أكثر من الملك .

لم يعد التحريم في الدين موقوفا على عالم دين . بل شارك فيه كل من تعلم آيةً وحديثين . لم يعد المنع في السياسة قاصرا على حاكم أوسلطان . وإنما أصَّلَهُ وفصَّلَهُ الانتهازيون وأصحاب المصالح . لم يعد الضبط الاجتماعي والثقافي والأخلاقي والأدبي والفني محصورا في دائرة أهل الاختصاص . فتجاوزهم إلى كل من هبّ ودبّ .

وكانت أول خطوة ، وأسهل خطوة ، وأقوى خطوة : توسيع دائرة المحرمات في كل مجال من تلك المجالات. ومع توسيع دائرة المحرمات . تتضخم بشكل سرطاني أنواع المقدسات والممنوعات . ويتضاعف بشكل مضطرد عدد القضايا والأفكار والمقامات التي لايمكن مسّها أو النقاش فيها أو مجرد الإشارة إليها .

نسي البعض أن كتاب عقيدتهم يُوصف عندما يُذكر بالـ (كريم) وليس بالمقدّس . وأن نبيهم أيضا يوصف عندما يُذكر بالـ (كريم) وليس بالمقدس .. لم ينتبهوا إلى دلالات الفرق المعرفي والفلسفي العميق بين استخدام وصف (المقدس) للإشارة إلى الكتاب والأنبياء في اللغات الأخرى . غفلوا أن ذلك الكتاب لايدعو الناس إلى (تقديسه) . وأنه يدعو بدلا من ذلك إلى النظر والتفكر والتدبر والسعي والعمل و .. تجاوزوا حقيقة أن الكعبة (مُشرّفة) وليست (مقدّسة). قفزوا فوق المعاني الكامنة وراء عدم إمكانية استخدام تصريف (القدُّوس) إلا للإشارة إلى الخالق . لم يدركوا بعمق الإشارات الكامنة وراء الحرص الشديد الذي كان مطلوبا على تجنّب التقديس للأشخاص وللأماكن وللمظاهر .. حصل هذا في فهم الدين . وحصل مثله في المجالات الأخرى .

امتلأ قاموس السياسة بالمحرمات حُكماً وعُرفاً . ووصلنا إلى درجة تشبه ماقصده الشاعر حين قال (حمارُ الزعيمِ زعيمُ الحمير) . فبات الناس يخشون حتى من الحديث عن ذلك الحمار . ومابين تحريم الحديث عن الزعيم وتجريم الحديث عن حماره ، تكاثرت مواضيع التحريم ومواضعه كالأرانب .

عَمَرَ قاموس الأخلاق والعادات الاجتماعية بجميع مصطلحات ومشتقات العيب والحرام . اختفت معاني وقيم الصدق والصراحة والنصيحة والوضوح . وأصبح النفاق الاجتماعي السمة الغالبة على المجتمعات .

تمّ محاصرة معاني الحرية . وجرى تضييق معاني الاستقلالية والاختيار الشخصي . أضحى الإنسان العربي في مرحلة من المراحل لايختلف عن الآلة سوى في قدرته على الطعام والشراب والإنجاب .

توقف الإبداع في الفكر والثقافة والأدب والفن . صار سهلاً وصفُ كل إبداع بأنه ابتداع . واتهام كل تجديد بأنه طعنٌ للأصالة . و كل خروج على المألوف بأنه منكرٌ وخطيئة . وكل رأي آخر بأنه مخالفٌ للإجماع .

لم ينتبه الناس في زحمة الحياة بأن توسيع دائرة المحرمات بشكل سرطاني هو الوصفة المثالية لقتل عقلية المحرمات عندما تأتي ظروف ملائمة . ولكن النسيان وعدم الانتباه ليست أعذارا مقبولة على طريق صناعة مستقبل الجماعات البشرية . وسرعان ما جاءت تلك الظروف في العالم العربي في السنوات القليلة الماضية . فبدأ الانتقال تدريجيا من النقيض إلى النقيض . وشيئاً فشيئا أصبح (التغيير) هو كلمة السر . بات الناس يبحثون عن التغيير وينتظرونه ويتوقعونه ويتلهفون إليه في كل مجال . وبعد سنوات من الضبط والمنع والتحريم والنمطية والتقليد . بدا وكأن التغيير في حد ذاته أصبح هدفا . ولاح وكأن العرب يريدون تجربة هذا الشيء الذي كان محرما عليهم . بأي طريقة وبأي ثمن . ثم جاءت ثورة الاتصالات والمعلومات . تيسرت طرق خرق الضبط والنظام . أضحت أساليب تحدي المألوف والخروج على السائد في متناول الجميع . وصار ما صار من تساقطٍ للمحرمات .

وفي حين تنهار محرماتٌ لم يكن يجب ابتداء أن تكون محرمات . وبينما تُنتهك (مقدسات) ربما لاتكون حقا في عداد المقدسات . يظهر وكأننا مقبلون على مرحلة تطال كل محرّم ومقدّس ، إذا ما استمرت الفوضى الراهنة .

ومامن خطوة تبدو معقولة لوقف ذلك الانهيار سوى إعادة تحرير ماهية المحرمات الحقيقية . ومراجعة القول في ماهو مقدس وماهو غير ذلك . في الدين وفي السياسة . في الأخلاق وفي الاجتماع . في الثقافة والفكر والفن والأدب . ومن دون ذلك ، ستبقى الأمور مختلطة . وستضيع ، في خضم الفوضى التي تصاحب كل تغيير ، جميع المقاييس التي يعرف من خلالها الناس ماذا يجب أن يتغير ، وماذا يجب أن يبقى على مرور الأيام وتغير الظروف والأحوال .

 

نترك قضايانا الكبرى ونركض لإدانة كاتب هنا ومطربٍ هناك

 

عندما يغيب تحرير المصطلحات من ناحية، وتختفي الرؤية المقاصدية الشمولية للقضايا من ناحية ثانية، ينتج عن الحوار في حرية التعبير من الفوضى الفكرية والعملية أكثر مما ينتج من الفهم الموضوعي للمسألة. وهو أمرٌ بات يتكرر عند الحوار في جملة من المسائل الحساسة الأخرى التي أصبحت اليوم مجالاً للحوار في الساحة الثقافية العربية / الإسلامية. من هنا كان لابد عند الحديث عن مسألة حرية التعبير من تحرير مجموعة أمور، ينبغي أن تُفتح فيها الحوارات المنهجية من قبل أهل الاختصاص والعلم، ويأتي طرحها هنا فقط على شكل إشارات سريعة يفهمها أولو الألباب وتقضيها الفسحة المتوفرة في هذا المقام.

 

1 ـ إن من الضرورة بمكان أولاً تحرير وتحديد طبيعة وماهيّة (المقدسات) و (الثوابت) التي يجرى الحديث عن «عدم احترامها».. والتي يبدو أن دوائرها ما برحت تتسعُ وتكبر بشكل غير معقول.. إلى درجة تم فيها تقزيم تلك المقدسات وتقزيم الإسلام كلّه من ورائها، بحيث صار يهددها ويهددهُ بالخطر كلماتٌ في رواية، أو سورٌ في مقالة، أو صفحاتٌ في. كتاب، أو مقاطع في أغنية..

 

وكذلك أصبحت آراء بعض العلماء وفتاويهم.. سواء كانوا معاصرين أو من السلف ضمن دائرة المقدسات تلك التي لا يجوز مناقشتها والحوار فيها، فضلاً عن تفنيدها والرد عليها وإظهار عيوبها ومثالبها.. وصار كل حديث في ذلك ـ عند البعض ـ تعرضًا للعلماء وإساءة لهم، وانتقاصًا ـ بالتالي ـ من الدين ومن مقدساته وثوابته..

 

ومن الغريب أن الكثيرين ممن يتصدون لمثل هذه المعارك يغفلون أو يتغافلون عن حقيقة في غاية الأهمية، ويمكن أن تحسم كثيرًا من الجدل، حتى في مسائل أكبر من بعض المسائل التي يجري تسليط الأضواء عليها. ففي مسألة مثل مسألة التعرض إلى الذات الإلهية وإنكار وجودها ابتداءً، نجد أن القرآن الكريم أورد وحفظ ما يصعب حصره من دعاوى غير المسلمين وآرائهم ومقولاتهم واتهاماتهم أيًا كانوا في هذا الباب، من فرعون إلى أهل قريش، مرورًا بالمعاندين والرافضين من سائر الملل والجماعات البشرية والأقوام على مر التاريخ. بل إن القرآن تجاوز هذا ـ كما يذكر الدكتور المقريء الإدريسي وهو المتخصص في الدراسات الألسنية ـ إلى إضفاء مسحته الجمالية البلاغية على تلك الاتهامات والآراء التي ضمن لها الخلود من خلال إيرادها وذكرها في ثنايا سوره العديدة.

 

وفي الواقع العملي نجد أن المسلمين لم يُصابوا يومًا بذلك التشنج والرعب والفزع الذي يصيب البعض اليوم من مجرد ذكر هذه القضايا. ويسري هذا بالدرجة نفسها على كل ما دون ذلك من المسائل والقضايا التي تتعلق بالرسول المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وبتعاليم الإسلام بشكل عام.

 

والشاهد أن الفوضى الفكرية التي تغلف حياتنا المعاصرة باتت تسمح لكل من هبّ ودبّ بتحديد ما هي تلك المقدسات والثوابت التي يجب احترامها ولا يجوز أن تطولها حرية التعبير. بعيدًا عن الرؤية المؤسساتية التخصصية التي يجب أن تضع هذه القضايا في نصابها الصحيح.

 

2 ـ إن من الواجب أيضًا تحرير المُراد و القصد من ممارسة أسلوب المنع والمصادرة.. ورؤية ما إذا كان هذا الأسلوب يؤدي حقًا إلى تحقيق ذلك القصد خاصة إذا انطلقنا من رؤية منهجية شمولية للأمور ترفض منهج التبسيط والاختزال.

 

فأغلب الظن أن الهدف (العملي) الأساسي من هذا النوع من ردود الأفعال (التشهير والمنع والمصادرة والتكفير..) يتمثل في (الردع) بشكلٍ من الأشكال (لكي لا يهون أمر الدين ودوره في الحياة). ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن حقيقة، ومن خلال قراءة أكثر شمولية وعمقًا للدين وللواقع هو التالي: هل هذا الأسلوب يؤدي حقًا إلى صيانة دور الدين؟ وما دور الدين ابتداءً؟ أليس هو حماية كرامة الإنسان وتأكيد معاني الحق والعدل والحرية والمساواة؟ أليس هو محاربة الجهل والفقر والمرض والظلم والاستغلال والفساد؟ وبالتالي، ألا يمكن أن تكون مثل تلك الممارسات التي تقتصر على ملاحقة كاتب هنا لكلمات كتبها، والتشهير بمطربٍ هناك من أجل كلمات قالها، مجرد إبرٍ لتخدير النفس والآخرين، ولإقناع النفس والآخرين بأن البعض يؤدي المهمة من خلال اختبار هذه المواقع السهلة والأهداف السهلة.. بل ويتضاعف شعور ذلك البعض بالرضا من خلال الضجيج والصخب الإعلامي الذي يرافق هذه الأحداث..

 

وكأن تلك الكلمات التي كُتبت أو قيلت هي السبب وراء غياب كل معاني وقيم الكرامة والحق والعدل والحرية والمساواة من حياة الأمة.. وكأن التشهير بهؤلاء (الأشرار) وملاحقتهم هي الكفيلة بأن ترفع عنّا واقع الذل والتخلف والجهل والفقر والمرض والتبعية!! وهو واقع يمثل أقصى صور الاستهزاء والتحقير الحقيقي لكسل المقدّسات الأصيلة في الإسلام.

 

والمراد أن عملية الردع المقصودة لا تُحقق في مثل هذه القضايا هدفها المتمثل في صيانة الدين وحفظ دوره في الحياة لأنها تُمارس في مجالات هي في غاية الجزئية والفرعية بينما يتم التعتيم على كثير من المجالات والمواقع التي هي أصل البلاء الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي في بلاد الإسلام.

 

3 ـ إن من المطلوب أيضًا تحرير كيفية التعامل مع من نعتقد أنه يمسّ المقدسات.. خاصة حين يكون هذا المسّ بالرأي والكلام.. تحريرًا شرعيًا مقاصديًا علميًا بعيدًا عن الاستعجال والاختزال المنبثق من حرارة العواطف لا من قواعد الشرع والعقل والمنطق..

 

فنحن نعرف على سبيل المثال أن النصيحة، وأحيانًا كثيرة (النصيحة بالسر)، أصبحت شعارًا يُرفع في كثير من المواقع، بدعوى أنها تمثلُ المنهج الأكثر اعتدالاً وموضوعية وواقعية للتعامل مع بعض مظاهر الأزمات الكبرى في حياة الأمة.. وهي مظاهر عملية وفي كثير من الأحيان مؤسساتية صيغت لها القوانين والتشريعات.. ويمتد تأثيرها العميق في الواقع بشكل يهدم الدين ودوره أكثر بكثير مما تفعله بعض الكلمات هنا وهناك..

 

أفلا يمكن قياسًا إذًا ـ والحال ذاك ـ أن تكون النصيحة ويكون الحوار والنقاش والجدال بالتي هي أحسن نصيب من نعتقد أنه يمسّ المقدسات نظريًا بكلامه وقصصه وأغانيه.. أم أنه مرة أخرى اختيار الموقع الأسهل لادعاء القيام بالمهمة..

 

واستباقًا لمن ينطلق في قراءته من منهج المتقابلات والأضداد، ينبغي التأكيد بأن هذا الكلام لا يحمل دعوة إلى الحرية الفوضوية الكاملة، وهي حرية لا وجود لها في أي بقعة من العالم.. وإنما هي دعوة إلى منهجية تحرر المصطلحات وتحدد الأولويات وتضع نصب عينها مقاصد الدين الأصيلة. حتى إذا ما تم ذلك التحرير والتحديد صار ممكنًا التعامل بموضوعية وتوازن مع القضايا الجزئية، التي يجري إيهام الأمة اليوم بأنها كليات الدين وثوابته، بشكل يضع الأمور في نصابها الصحيح.

 

وإلى أن يأتي يومٌ تصبح فيه أولويتنا متمثلةٌ في صيانة قيمنا ومبادئنا على أنها (المقدسات) الحقيقية التي يجب أن تكون مناط جهد الإنسان وجهاده أيًا كان، فإننا سنظل نحارب من أجل القشور والمظاهر، ونغفل عن الأهداف والمقاصد الحقيقية التي تمثل جوهر هذا الدين العظيم.

 

 

 

 



شارك صورك بكل سهولة مع Windows Live™ Photos. سحب وإسقاط
--~--~---------~--~----~------------~-------~--~----~
مرحباَ أيها القادم إلينا بدون إذن أو خبر ..
مرحباَ أيها المتمطي ظهر السحاب .. نحو العلا .. في ضوء القمر
سرى صدى الشباب في أمزجة الجبال .. فبث الروح في نبض الصخور ..
انتظر .. فالأمل كنز أنت على أعتابه فلا تخور ..
لا تخف .. وأملأ الفؤاد بحب مكنون ..
أقبل فهنا توزع  الأقنعة من حب وفكر وإبداع وجنون
سجل وخذ قناعك فأنت في صدى الشباب
حب مكنون .... وإبداع بجنون ...!
http://sada-shbab.com/vb/index.php
-~----------~----~----~----~------~----~------~--~---

No comments:

Post a Comment