وضع العالم اليوم
ما أشبه الليلة بالبارحة ,يدور الزمن دورته ,نعيش زمناً أشبه ما يكون بزمن الجاهلية التي بعث فيها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، الإنسان عدو لأخيه الإنسان ، قانون الغابة هو الذي يسير حياة البشر ،القوي يأكل الضعيف ،قتل الإنسان أسهل من قتل البعوض .
فإذا نظرنا إلى حالة المسلمين اليوم سياسياً أو اجتماعيا أو قانونياً أو اقتصادياً ......،نجد في حياتهم العلل التالية ،عللٌ توازي عللَ عهد النبوة ، بل ربما بعضها يفوق علل عهد النبوة ويعظم عليها ، فمن أهمها :
1- العلل الفكرية
تأخر المسلمين في جميع مجالات الحياة أمر غير خفي ، فقد أصيبوا بعقدة النقص ، فأخذوا يقتبسون لسد العجز الذي حَلَّ بدارهم ، ولم يجدوا فرصة التنقيح ،وأخْذِ المفيد وترك الضار من الغرب المتقدم ، أخذوا الغث والثمين ، أخذوا الحسن والسيئ ،أخذوا ما كانوا في حاجة إليه وما لم يكونوا في حاجة إليه .
وأبرز هذه العلل الفكرية ،العلمانية ، واللبرالية ، والنظريات المناقضة للأسس الشرعية ، والأسس الإنسانية ، كنظرية نشوء الدين ونظرية اختراع الإله والنظرية الجنسية التي تجزم أن جميع حركات الإنسان تنبع من الجنس ، والنظرية المشاعية الشيوعية .
فتولد عن ذلك فرقٌ حديثة في الصف المسلم ، ألبست الكفر ثوب الإسلام ، كالقاديانية والقرآنية والبهائية والبابية والأغاخانية والنصيرية والدروز ..............
2- العلل الاقتصادية
الاقتصاد عصب الحياة المادية، به تقاس قوة الأمة وضعفُها ، أباح النظام الاقتصادي العالمي الربا ، وأعطاه اسماً ليس له ، سمى الربويات فوائد ، المنكر لها شاذ في فكره ، تصفه الناس بالمَسْكَنَةِ والتخلف ، أباح أنواعاً من البيوع المحرمة ، لأن ذلك غير ممنوع في الدول المتقدمة ، أباح بَيع العِينَة بعد تحويره في صورة بيع الأقساط مثلاً .
أعظم بلاء يعم كل العالم اليوم ، لا فرق بين دولةٍ غنية وأخرى فقيرة ، ولا بين الرجال والنساء ، ولا بين الفقير والغني ، هذا البلاء يلتهم أموال كل الناس لا يترك لهم لقمة العيش الشريفة {بلاء الضرائب}فإنه أشد ظلماً مما كان أيام البعثة
ضريبة على البيت الذي تسكنه ، ضريبة على السيارة التي تركبها ، ضريبة على الشارع الذي تستعمله ، ضريبة على الماء الذي تستهلكه ، ضريبة على الراتب الذي تتقاضاه ، ضريبة على شراء الملابس التي تلبسها ، ضريبة على الكهرباء التي تستهلكها ، ضريبة على البغاء الذي تمارسه البغية ، ضريبة على الدخل الذي اكتَسَبْتَه بالطرق المشروعة ، ..........
كل ذلك باسم رفع المعاناة عن الفقراء ، والتخفيف من عبء الحياة عليهم ، والحق إنهم أفقروا الأغنياء ، ولم يغنوا الفقراء ، بل ازداد الناس فقراً عما كانوا عليه قبل الضرائب .
لم يعد الإنسان ينظر إلى أخيه الإنسان بأنه شريكه في المأكل والمشرب ، شعوب تموت جوعاً ، وأخرى ترمي الفائض من القمح والبيض والفواكه والحليب....... في البحر ، خشية تدني الأسعار ، فها هي الشعوب الأفريقية تموت جوعاً بينما أميريكا وكندا وأستراليا تلقي بالفائض من القمح والذرة والفواكه في البحار .
أما نهب الدول الغنية التي تملك التقنيات لخيرات الدول التي لا تملك التقنيات فحديث الأطفال ، فضلا عن البالغين والعقلاء ، فموزنبيق مثلاً من أعظم الدول في تصدير الأحجار الكريمة ، بينما شعبها يبحث عن فتات العيش في صناديق القمامة للشركات الأمريكية التي تستخرج هذه الأحجار .
دول الغاز و النفط تُنْهَبُ ثرواتها الناضبة بأبخس الأثمان ، وتعاد إليهم تلك الثروات بعد التصنيع بمائة ضعف من الكلفة الحقيقية ،تآمر على الاحتفاظ بالمستوى المتخلف في العالم الإسلامي في باب التصنيع ، وهو حديث السر والعلن في المجتمعات المتقدمة ، حتى يبقى الناس منقسمين إلى سادة وعبيد ، إلى مالك للمصنع وأجير يعمل فيه ، فذو البشرة البيضاء خُلِقَ ليكون مالكاً وذو البشرة الملونة خُلِق ليكون أجيرا .
3- العلل الاجتماعية :
الإنسان إجتماعيٌ بفطرته ، يحب العيش مع أخيه الإنسان ، وحضارة اليوم تغرس فيه الانطوائية والانفرادية ، لم يعد يشارك فيما كان يشارك فيه والده ، ولوسائل الإتصال من جَوَّال وإنتر نت ........... أعظم الأثر في تغذية هذا الجانب ، فبعد أن كان يبارك المناسبة المُفرِحة بالمشاركة الشخصية أصبح يكتفي اليوم بالمباركة الكلامية عن طريق الجوال ......
ولجهاز التلفاز نصيب وافر لغرس هذه الإنطوائية ، فلو نظرنا إلى حياة أطفالنا نجدهم مستعدين لترك زيارة قريب أو عزيز ، من أجل التفرج على برنامج تلفزيوني معين ، أما التوجيه الذي يتلقونه من هذا الجهاز فحدث عن سوئه ولا حرج .
ونتج عن ذلك كثرة العنوسة في المجتمعات الإسلامية الثرية من جهة ، وكثرة الطلاق من جهة أخرى ، وأسوأ النتائج على الإطلاق فقدان تربية الأولاد ، وفقدان الحياء الفطري ، وعدم التأدب مع من هو أكبر منه سناً .
4- هدر عصمة الدم
قَتْلُ الإنسان اليوم لأخيه الإنسان كشرب الماء ، أو إستعارة الدخان من مدخنٍ لمدخن ، نزعة القتل وإراقة الدم من الأمور المألوفة في الحياة اليومية ، لا يتورع عن ارتكا بها الفقير أو الغني ، أو ذو المنصب ومن لا منصب له، بل نجد من يستأجر القاتل ببضع مئات من الدولارات لتنفيذ الجريمة ...........
دم المسلم أرخص من دم القطة والكلب والفأرة في الدول الغربية ، هَمّ الإنسان الوحيد كسب المال بِغَضِ النظر عن طرق الكسب ، ودون النظر إلى حِلِيَّتِها أو حرمتها ، واشتد الكرب على المسلمين باسم الإرهاب ، فمتى أرادت دولة ما التخلص من أحد وصفته بالإرهاب والرديكالية ، والتخلص من مثله واجب من واجبات الإنسان المتحضر .
فجَرَتْ دماء المسلمين أنهراً ، لا تكاد تعرف الجفاف ، فها هي أفغانستان والعراق وكشمير وقطاني والصومال وفلسطين والفلبين أمثلة حية على أرض الواقع .
5- هدر عصمة العرض
المعروف عن العالم الشرقي إنه محافظ على أعراضه ، لا يبيح انتهاكها إلا بالطرق الشرعية ، وإختلاط الثقافات وكثرة الترحال والسفر ألحق ضرراً بالغاً بهذا الشرقي المحافظ ، حتى خضع للصحبة المحرمة بين الذكور والإناث ، ولا مانع لديه من تبادل الزوجات ، ليظهر تحرره من القيود العتيقة ، ويكتسب سمة التحضر المعاصر .
6- التشريع الوضعي
التشريع محور تسيير دفة الحياة ، والأنظمة الديمقراطية اسماً ،أو اسماً وواقعاً تأخذ منها نصيب الأسد ، والنظام الديمقراطي يختلف من دولة إلى أخرى ، لأن لكل برلمان حق التشريع ، وتختلف رؤية المشرعين من الحدث ، فمنهم المنكر ، ومنهم المؤيد .
لذا نجد التشريعات الديمقراطية تماثل التشريعات القبلية التي عاصرت عهد الرسالة ، فلكل قبيلة تشريعها الإنفرادي آنذاك ولكل نظام ديمقراطي تشريعه اليوم يختص به ، لا يلزم أن يشاركه غيره فيه ، فلا توجد تشريعات موحدة في هذه الأنظمة .
فالتشريعات الديمقراطية العالمية تماثل تشريعات القبائل المختلفة في عهد النبوة ، كما ترى المماثلة في أن القبيلة القوية تفرض رأيها على القبائل الضعيفة ، هكذا النظام الديمقراطي القوي يفرض تَوَجُّهَهُ على الدول الضعيفة ، فلا تملك إلا الطاعة ، كما كانت القبيلة الضعيفة تطيع أوامر القبيلة القوية .
7- فقدان التميز بالإسلام
إن كان الإسلام سمة شرف وعز في الماضي فإنه اليوم سمة تخلف وذل ، لذلك يخفي المسلم دينه ، ولا مانع لديه إذا ألجأته الظروف أن يتسمى باسم يتلاءم مع البيئة والظروف ، فإن كان في بيئة نصرانية حَوَّلَ اسمه من محمد إلى جون و من مريم إلى ميري وهكذا دواليك ...........
خلاصة القول أن حياة البشر اليوم أسوأ من حياة البشر الذين عاشوا في عهد الرسالة المحمدية ، وبما أن باب النبوة مقفل فلم يبق لإعادة البشر إلى جادة الصواب و إعادة الإنسانية إلى الإنسان إلا عَرْضَ سيرته صلى الله عليه وسلم ، وإنها لكفيلة بإعادة ما فقدته الإنسانية من مبادئها السامية ، وإعادة بناء الثقة المفقودة بين البشر ، وهذا ما سأشير إليه بإيجاز في دراسة أهمية السيرة .
كتبه
د. خادم حسين بخش
من بحث عن السيره النبوية
المصدر