Thursday, December 9, 2010

( الأبنوي :2212 ) هو الله

هو الله

بقلم الدكتور طارق حلمي
زميل كلية الجراحين الملكية البريطانية
Tarek_nassr2005@yahoo.com
 

لاإله إلا الله، إن شاء أعطى وإن شاء منع. لاإله إلا الله، إن شاء ملك وإن شاء نزع. لاإله إلا الله، إن شاء خفض وإن شاء رفع. لاإله إلا الله، الخير كله بيديه، والشر ليس إليه، والعبد منه وإليه. لاإله إلا الله،تحيا بها القلوب المؤمنة، وتطمئن إليها العقول الصادقة، وتشهد بصدقها النفس اللوامة الحائرة.هو الله المتصف بصفات الكمال، المتفرد بنعوت الجلال،تشهد له مخلوقاته أنه الجميل يحب الجمال. أنى للعقول المحدودة أن تدركه، أنى للأبصار الكليلة أن تبصره، أنى للمسامع المحجوبة أن تسمعه. متى غاب فيسأل عنه؟ متى خفي فيستدل عليه؟ (لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصاروهو اللطيف الخبير). الليل آية من آياته ، والرسل خلق من خلقه، والأيام يداولها بين الناس. خلق الخلق من العدم وأنزل إليهم الكتب وأرسل إليهم الرسل (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما). لن يبلغ أحد نفعه فينفعه ولن يبلغ أحد ضره فيضره والكل مقهور تحت مشيئته. كم من جبار قد كسره، وكم من مكسور قد جبره، وكم من مقهور قد نصره و(لايسأل عما يفعل وهم يسألون).قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء ولا يأمن مكره إلا القوم الكافرون. السلامة في التسليم له، والعزة الكاملة في العبودية له، وتمام الاستعلاء في الإيمان به. الإعراض عنه سبب الخزلان ، والاستكبار عن عبادته سبيل الهوان، ومصير من يحاده الذل والخسران. لو شاء لآمن الناس كلهم جميعا ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو الغفور الرحيم. يغفر الذنوب جميعا وإن كانت مثل الجبال، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ماقنط من رحمته أحد، ولو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ماطمع في جنته أحد (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).

الفقر إليه عين الغنى، والاستغناء عنه محض الفقر، والموت في سبيله هو الحياة. هل أدرك المعرضون عنه إلا الهم والغم؟ ماأخسر هؤلاء الذين استبدلوا عبادة الله الواحد الأحد بعبادة البطون والفروج، قبح الله الذين لايعقلون. إذا قيل لهم إن الله خلقكم أعرضوا وهم مستكبرون، وإذا تلي عليهم القرآن قالوا أساطير الأولين، (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لايعقلون).كم يحترقون وهم لايشعرون، كم يتعذبون وهم لايعلمون، قد حرموا طيب العيش ولكنهم لايفقهون.

إذا طلبت دليلا عليه فهو أقرب إليك من حبل الوريد، إذا انقطعت بك الأسباب يممت وجهك إليه، وإذا مكر بك الأعداء طلبت العون منه، وإذا أصابك مرض توجهت بقلبك إليه. أنت أحوج إليه من الماء الزلال، ألم تكن جائعا فأطعمك، ألم تكن فقيرا فأغناك، ألم تكن ضالا فهداك، من الذي خلقك ولم تكن شيئا مذكورا؟ من الذي أنشأك بشرا سويا؟ من الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ومن الذي يبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل؟( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وماذلك على الله بعزيز).

إذا دعاك فخير لك أن تجبه، وإذا سألت فخير لك أن تسأله، اعلم أنه النافع والضار ، اعلم أن بيده الحياة والموت، أظهر له فقرك وفاقتك، إياك أن تستكبر عليه، إياك أن تظن أن بإمكانك الاستغناء عنه، كيف وهو الذي لو نزع منك عقلك فمن الذي يرده اليك؟، لو فتح عليك أبواب الشر فمن الذي يغلقها؟ هو الذي يجيب دعاء المضطرين، هو الذي يسمع أنين المكروبين، هو الذي يقيل العثرات، هو الذي يعفو عن السيئات، هو الذي يفعل مايشاء قدرة وحقا وعدلا.

إذا أردت أن تعرفه فاعرف نفسك أولا. اعلم أنك مخلوق وهو الخالق، اعلم أنك ضعيف جدا وهو القوي الذي لايغلبه شيء، من الذي يقوى على حربه؟ أين علم الأولين والآخرين إلى علمه ؟ كل علم البشر هو أن يكتشفوا قانونا قد أودعه في خلقه ( ولايحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)، أنت الموصوف بالعجز وهو الموصوف بالقدرة، أنت المنعوت بالنقص وهو المنعوت بالكمال، تحتاج إلى الطعام والشراب وهو الذي لايجوع فيأكل ولايظمأ فيشرب، أنت الذي تنام وهو الذي لاتأخذه سنة ولانوم، أنت الذي تموت وهو الحي الذي لايموت، أنت العبد وهو المعبود، أنت الذي سمعك عليل وبصرك كليل وهو الذي يسمع دبيب نملة سوداء على صخرة صماء ويبصرها في ليلة ظلماء.


ألا ماأشقى هؤلاء الذين لايعرفونه، ما أشقاهم وإن لبسوا أحسن الثياب، ماأشقاهم وإن أكلوا أطيب الطعام، لقد استبدلوا العبودية لله الكريم بالعبودية للشهوات الحرام، لقد باعوا أنفسهم بثمن بخس، لقد رضوا بحياة الأنعام التي لاتعقل وهم يظنون أنهم أولو الألباب وتلك سمة الذين لايعقلون. كيف بهم إذا ضعفت الشهوة وفقدت المتعة وباغتتهم الأمراض؟ أي سلوان لهم وهم يحسون أن حياتهم تتفلت منهم شيئا فشيئا؟ أي سلوان لمن فقد الله؟ وأي عزاء لمن أعرض عن ذكر الله؟ وأي نور لمن لم يستضيء بنور الله الذي هو نور السموات والأرض؟ألا ما أبأس هؤلاء وهم يمرحون، ما أفقرهم وهم يكنزون، ما أجهلهم وإن وضعوا الأسفار، ما أضعفهم وإن غزوا الفضاء وشقوا عباب البحار(بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لايهدي القوم الظالمين).

لاتكن من هؤلاء الذين غرتهم عقولهم الكليلة فظنوا أنهم قد اكتشفوا غوامض الكون فصاروا لايحتاجون إلى إله يتوجهون إليه بالعبادة ويطلبون منه الحماية. يتساءل البعض ماالدليل على وجود الله إذا كانت عيني لاتراه، وإذا كانت أذني لاتسمعه، وإذا كانت حواسي الخمسة لاتدركه؟. إذا سألك سائل ماالدليل على وجود الضوء قلت إن عيني تبصره، ولكن هل العين العمياء تبصر الضوء ؟ بالطبع لا، وهل العين المغمضة تبصر الضوء؟ بالطبع لا، وهل العين التي نظرت إلى غير جهة الضوء تبصره؟ بالطبع لا، فهل ننكر وجود الضوء في تلك الحالات التي التي طرأت على العين فجعلتها لاتبصر الضوء أم نعود باللائمة على العين التي عميت أو العين التي أغمضت أو التي نظرت في غير اتجاه الضوء؟. مثل هذا الكلام يصدق على حاسة السمع. فالأذن التي أصيبت بالصمم لاتسمع مع أن الصوت موجود، ولايجوز لأصم أن ينكر وجود الصوت لكونه لايسمعه ولكن الأحرى أن يتهم نفسه وسمعه لا أن ينكر صوت الرعد الذي يتردد صداه في كل مكان.

بل إن العين التي ترى تقصر عن رؤية كل الأطياف. فالعين الإنسانية تعجز عن إدراك الطيف فوق البنفسجي، كذلك فإنها تعجز عن إدراك الأشعة تحت الحمراء. كذلك فإن الفضاء من حولنا مليء بالكثير من الأطياف والموجات التي لاتدركها الحواس الإنسانية والتي لم يعلم عنها أجدادنا شيئا، والتي ماكان لنا أن نعلمها لولا اكتشاف الآلات الحساسة. لايجوز أن نضع كل الثقة في الحواس لأنها قاصرة بل أحيانا خداعة. أليست العين تريك السراب ماء؟ أليست العين تريك السماء متماسة مع الأرض في الأفق البعيد؟أليست العين تريك النجم الضخم نقطة صغيرة في السماء؟ أليس كل هذا من خداع البصر؟.

إذا يمكن القول هناك حقائق خارجة عن الإنسان وهناك مايقابلها من الحواس الإنسانية المعدة لإدراك هذه الحقائق. فالضوء حقيقة يدركه الإنسان بالعين ولايجوز أن نقول أن الضوء غير موجود لأن أذني لاتراه فالأذن غير مؤهلة لإدراك الضوء. كذلك لايمكنك القول إن الصوت غير موجود لأن عيني لاتسمعه فالعين غير مؤهلة لإدراك الصوت. كذلك لايمكنك القول إن الله غير موجود لأنى لاأدركه بالحواس الخمسة فالحواس الخمسة غير مؤهلة لإدراك الله وإنما مؤهلة لإدراك المادة والله ليس بمادة. إذا بماذا ندرك الله قلت ندركه بالقلب. ولاتظنن أن القلب هو قطعة اللحم المخروطية الشكل والموجودة في تجويف الصدر وتميل قليلا إلى اليسار، وإنما هو تلك الملكة واللطيفة الموجودة في أعماقنا والتي تشعرنا بوجود الله وتشعرنا بحاجتنا إليه في كل حين. إذا كنا نشعر بالظمأ الحسي ونبحث عن حقيقة خارجة عنا لترويه فنجد الماء، وإذا كنا نشعر بالجوع الحسي ونبحث عن حقيقة خارجة عنا للإشباع فنجد الطعام، وإذا كنا نستشعر الرغبة العاطفية ونبحث عن حقيقة خارجة عنا للإشباع فنجد الجنس الآخر، ففي هذا دليل على أن الحاجات والأشواق والآمال التي في داخلنا لم تخلق فينا عبثا وإنما لتدفعنا إلى البحث عن الإشباع في العالم الخارجي. القلب يظمأ كما يظمأ الحلق، القلب يجوع كما تجوع الأحشاء، القلب لايهدأ ولايقر إلا بلقاء المحبوب. الحاجة إلى إله معبود عميقة في النفس الإنسانية يشهد على ذلك التاريخ الإنساني المقروء والمنظور. في المدن القديمة يمكن أن تجد مدينة بلا متاحف، يمكن أن تجد مدينة بلاأسوار، يمكن أن تجد مدينة بلا مسارح، ولكنك لايمكن أن تجد مدينة بلا معبد ولاعباد.

بالتأكيد هناك قانون السببية المعروف لدى كل البشر بالحس العام والذي يدركه الصغير والكبير والمتعلم والأمي والذي لايجادل فيه اثنان ولاينتطح فيه عنزان. كل فعل لابد له من فاعل ، كل سبب لابد له من مسبب، كل مخلوق لابد له من خالق. الخالق لايكون مخلوقا لأنه خالق الزمان والمكان والمادة والطاقة. فهو موجود قبل الزمان ، موجود قبل المكان، موجود قبل المادة والطاقة . فالخلق هو صفة هذا الكون بمكوناته من الزمان والمكان والمادة والطاقة. ومن هو ليس بمكان ولا زمان ولا مادة ولا طاقة ليس من صفاته أن يكون مخلوقا لأن المخلوق إنما هو المكان والزمان والمادة والطاقة. إن ماتدركه عقولنا من صفات وطبائع للمخلوقات وما أدركناه بالخبرة الإنسانية من قوانين تسري في هذا الكون لايمكن تطبيقها على الخالق لأن ذاته ليست كذات الكون الذي خلقه والذي هو مباين له مغاير له. وباختصار فكل ماخطر ببالك فالله بخلاف ذلك( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

اعلم أن مايحجبك عنه هو إما شبهة تغطي العقل، وإما شهوة تعمي القلب. الشهوات هي سهام إبليس لمن بدأوا السير أو أرادوا الشروع فيه، أما الذين واصلوا السير وارتقوا في المدارج فإن الشيطان لن ييأس منهم فعنده الشبهات التي يلقيها، والباطل الذي يزينه، والوعود التي يخلفها. كم من شهوة أذلت صاحبها، وكم من شبهة أوردت صاحبها موارد الهلاك. الشهوة تهاجم القلب والنجاة منها بلزوم العقل، والشبهة تهاجم العقل والنجاة منها بلزوم الوحي. النفس تميل إلى الاسترسال في الشهوات والعقل هو الذي يعصم، أما العقل فهو يميل إلى الاسترسال مع الشبهات والوحي هو الذي يعصم. ترك الشهوات يجعل الحياة قاتمة لاتطاق، والاسترسال مع الشهوات يحجبك عن الله، والتوسط هو سمت الذين يعقلون. كذلك فإن التقليد في التوحيد لايخلو صاحبه من ترديد، ومن ظن أن إدراك الحق بالعقل دون الوحي فقد قال على الله شططا، ومن جعل العقل طريقا إلى الوحي والوحي حاديا للعقل فقد استكمل الإيمان.

سلم تسلم، واعلم أن التسليم يستجلب التيسير. انظر إلى إبراهيم حين أمر بذبح ولده،فقد استسلم في موضع تزل فيه الأقدام، وتتواتر فيه الشبهات، ويتزلزل فيه الإيمان. لقد سلم ابراهيم فسلمت له عاقبته في الدنيا والآخرة. لقد فدى الله الولد وصار إبراهيم من المحسنين( فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن ياإبراهيم، قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم).

هب أنك لم تسلم فلن تجني إلا الشقاء ولن تضر الله شيئا. اتهم عقلك المحدود، وعمرك المعدود، واعلم أن الذي تجهله أضعاف الذي تعلمه، واعلم أن الإنسان هو الظلوم الجهول. أين علم الأولين والآخرين من علم الله، وهل علم من علم إلا بتعليم الله إياه؟، وهل فهم من فهم إلا بتفهيم الله إياه؟، وهل يستطيع الأولون والآخرون والإنس والجن ان يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له؟. تفكر في خلق السموات والأرض وانظر كيف بدأ الخلق.أصغ بسمعك لآيات الله عسى أن تكون من المهتدين. الكون هو آيات الله المنظورة، والقرآن هو آيات الله المقروءة، وفي المقروء والمنظور هدى للحائرين. إذا أردت دليلا عليه فتوجه إليه، وإذا أردت هاديا إليه فهو الهادى إليه، وإذا أردت الفرار منه ففر منه إليه. لاتسأل لم فعل كذا لأنه يفعل مايشاء وكل فعله حكمة، ولاتسأل لم أراد كذا لأنه لاتعوزه الرحمة، واعلم أن شأنه ليس كشأن المخلوقين المحاويج الظالمين الجاهلين. فهو الغني الذي لايحتاج فيجور، وهو العدل الذي حرم على نفسه الظلم، وهو العليم الذي يستوي عنده الغيب والشهادة وماكان وماسيكون.

أول الدين معرفته، وغاية الخلق عبادته، وأكرم الناس أتقاهم له . إذا أردت طيب العيش فاقصده، وإذا أردت طمأنينة القلب فاذكره، وإذا أردت لذة القرب فاسجد له. إذا تقربت منه شبرا تقرب منك ذراعا، وإذا تقربت منه ذراعا تقرب منك باعا، وإذا أتيته تمشي أتاك هرولة. إذا أقبلت إليه استقبلك من بعيد، وإذا أعرضت عنه ناداك من قريب، وهو الذي يغفر الذنوب جميعا وهو الغفور الرحيم.

--
تعلن إدارة مجموعة الأبنوي البريدية عن التالي :-
ستتوقف المجموعة عن نشر رسائل الأعضاء .
من يريد أن يرسل رساله للقروب يشترط ان تكون باللغه العربية ، وأن تكون رسائل متنوعه ومفيده .
يرسل الى ايميل المشرف العام على القروب ( alialabnawi2008@gmail.com ) ، وأن يكون العنوان واضح والتنسيق جيد .
الا تكون الرساله مستهلكه ، ولا تكون بروابط تدل على منتديات .
يسمح بالدعايه للمنتديات بعد التنسيق مع المشرف العام عن طريق ايميله .
نعتذر عن كثرة الرسائل اللتى كانت تأتي في وقت سابق والان اصبح لنا ترتيب آخر ولن ترون الازعاج مرة آخرى .
محبكم مشرف القروب .

No comments:

Post a Comment