قراءة في الأمر الملكي الصادر بقصر الفتوى على المؤهلين
د. خالد بن عبد الله المزيني
من أشد الأمراض التي تعاني منها أمة الإسلام في هذا العصر مرض النزاع والشقاق والاستقصاء فيما بينها، حتى لقد صار الغيورون من أبنائها ليتوقون إلى اجتماع المسلمين وائتلافهم بعد طول فرقةٍ، ولا أقرب إلى جمع كلمة الأمة وتأليف قلوب أبنائها من الجامعة العلمية التي تربط أطراف الأمة وأعضاءها برباط العلم، ذلكم الرباط الشريف، الذي يمسك بعراه أهل العلم والنظر منها، وأرباب الحكم والفتيا فيها، بحيث يأخذون بأحسن الأقوال وأرشد المذاهب.
وحين كان المسلمون الأوائل مجتمعين على كلمة الله، متحابين في ذات الله، تفترق جسومهم وتتلاقى أرواحهم، حينها ملكوا القلوب والدروب، قال تعالى: { وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [(63) سورة الأنفال].
وقد كان صدور الأمر الملكي من لدن خادم الحرمين الشريفين حفظه الله بتنظيم الفتوى وقصرها على المؤهلين مناسباً للزمان والحال، ففي شهر رمضان تكون النفوس والعقول مقبلة على الشأن الديني، وأما الحال فإن المتابع للحراك الفقهي لا يخفى عليه الخلل الذي انصبغت به الحالة الفقهية المعاصرة، وذلك لأسباب من أهمها التعجل في الإفتاء من قِبل البعض وصدور الفتوى من غير أهلها، مما يحدث تشويشاً بالغاً في نفوس المسلمين.
وإذا كان الائتلاف بين المسلمين مطلوباً؛ فإنه بين العلماء والداعين وأهل الرأي والنظر منهم أولى وأحرى، فإنهم من الأمة محل الروح من الجسد، إذا صلحوا صلح جسد الأمة.
وما من شك في أن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، وبالأخص فيما يتعلق بالموقف العلمي العام، الذي يصدر الناس جميعاً عنه، وقد قال الفاروق عمر ـ رضي الله عنه ـ لابن مسعود وأبيٍّ ـ رضي الله عنهما ـ حين اختلفا في مسألة: ( فعن أي فتياكما يصدر الناس ) [ابن أبي شيبة (3188)].
والمتابع للشأن الفقهي اليوم يلحظ على بعض طلبة العلم غياب التواضع العلمي الذي عرف به علماء هذه البلاد من أزمنة طويلة، فقد عرف أهل العلم بطرح التكلف والتمادح وخفض الجناح فيما بينهم، وأما اليوم فقد وصلنا إلى حال من التحرش بالفتوى والتراشق الفكري بلغة غير علمية، بحيث يتشبع كل واحدٍ بالقدح في أخيه، وأخطر ما تكون هذه الخلال سوءاً إذا هي صدرت من رجل العلم، وقد قال بعض الحكماء: " أقبِحْ بالتكلّف، خاصةً بذي اللّسَن العالم ". ولهذا كان أئمة الفتوى يحذرون من القليل من الملاسنة الشخصية، مما لا يكاد يغيب عن مشهدنا الإعلامي، قال الإمام الشافعي: " المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغائن " [تهذيب الأسماء واللغات؛ للنووي (1/54)].
إن من سعادة الدولة والأمة أن يسود بين علمائها والداعين إلى دينها الحب والتعاون على البر والتقوى، ولئن كان الأطباء قد تواطأوا على أن يحترم كل واحدٍ منهم الآخر، واشترعوا لهم قسَماً يتعهد فيه الطبيب بأن يحترم زملاء المهنة، فإن أهل العلم والفتيا أولى وأولى.
إن تنظيم شأن الفتوى بما يلم شعث القول، ويقي النظر العلمي من مثارات الغلط، ويمنع الجهول من القول بغير علم، هو مادة الحذق في سياسة الأمم، فإنَّ الله تعالى قد جمع القيادة كلها في آيتين من كتابه فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ، وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [(46،45) سورة الأنفال].
ثباتٌ، ذكرٌ، طاعة الله، طاعة رسوله، توافق، صبر، هذه ستة عوامل لو اجتمعت في طائفة استحقت النصر والتمكين بإذن الله تعالى، وإن اختل شيءٌ منها فبقدر ذلك الاختلال يقع الفشل والانحلال، قال أبو الدرداء قال: " أيها الناس، عملٌ صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم "اهـ.
إن لهذه الدنيا قوانين ونواميس، وإن النجاح فيها منوط بالأخذ بتلك الأسباب، ومن أهمها: اتفاق الكلمة، وائتلاف الصف، والإصلاح الهادئ البريء من الهوى واللغط، يحكى أن قوماً استشاروا أكثم بن صيفيّ في حربِ بعض العرب، وسألوه أن يوصيهم فقال: " أقلّوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصّياح من الفشل، والمرء يعجز لا محالة، تثبّتوا فإن أحزم الفريقين الرّكين، ورُبَّتَ عجلةٍ تعقب ريثاً، وأتزروا للحرب وادّرعوا الليل فإنه أخفى للويل "اهـ، يعني أنه يستر ما لا ترغبون كشفه. ورأس الائتلاف التناصح والتواصي والتغافل والتغاضي، وترك التخوين والاستقصاء، قال حبيب بن أوس:
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
وقال أكثم بن صيفيّ: " من تراخى تألف، ومن تشدّد نفرّ، والشرف التغافل "اهـ، وقال حاتم الطائي: " العاقل: فطنٌ مغافلٌ "اهـ.
ومما يلحظ في عصرنا هذا أن لكل فعل فتوى، ولكل حراك بياناً، وهذا وضع شاذ، وليس من الحكمة الاستقصاء على الناس، ومن تدبر شؤون الاجتماع الإنساني وجد الناس لا يتعايشون إلا بقدر من التغافل، قال السلف: تعايش الناس ملء مكيال، ثلثاه فطنةٌ وثلثه تغافل. والعرب تقول: الاستقصاء فرقة، وقال بعض السلف: عظّموا أقداركم بالتغافل، فقد قال الله عزّ وجل: { عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } [التحريم (3)]. وربما استقامت الأحوال ببعض الإغماض، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } [البقرة (267)].
وليست كل الاجتماعات البشرية تلتقي على المحبة والمودة، فإن أكثر الخلق إنما يجتمعون على ما يصلح شؤونهم، أو على أدنى ما يصلحهم، عن عبد الملك بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب لطليحة بن خويلد الأسدي: قتلتَ عكاشة بن محصن الأسدي [وهو ممن يدخل الجنة بغير حساب]؟، لا يحبك قلبي أبداً، قال: " يا أمير المؤمنين فمعاشرةٌ جميلةٌ، فإن الناس يتعاشرون على البغضاء "اهـ [تاريخ دمشق (25/171)]، وقد كان طليحة الأسدي قد ارتد، وادعى النبوة، وقتل عكاشة بن محصن وغيره، ثم تاب وحسنت توبته.
هكذا كان يجتمع المسلمون على المحبة والألفة تارة، أو على المداراة والتغافل تارةً أخرى، وهذا وذاك أدخل في باب السياسة الشرعية منه في باب المذهبية الفقهية، فإن في الفقه مسرحاً للنظر لا تتسع له نفوس الناس، فما كل ما يعلم يقال، ولكل مقام مقال، وصيانة الفتوى العامة، وتنظيمها في مؤسسات مرموقة واجب الوقت، وإننا لنطمح إثر هذا الأمر الكريم بتفعيل دور مؤسسة الإفتاء، وتعزيز إمكاناتها، بما يدعم دورها في قيادة الحركة العلمية الراشدة.
Save a tree. Don't print this e-mail unless it's really necessary
تعلن إدارة مجموعة الأبنوي البريدية عن التالي :-
ستتوقف المجموعة عن نشر رسائل الأعضاء .
من يريد أن يرسل رساله للقروب يشترط ان تكون باللغه العربية ، وأن تكون رسائل متنوعه ومفيده .
يرسل الى ايميل المشرف العام على القروب ( alialabnawi2008@gmail.com ) ، وأن يكون العنوان واضح والتنسيق جيد .
الا تكون الرساله مستهلكه ، ولا تكون بروابط تدل على منتديات .
يسمح بالدعايه للمنتديات بعد التنسيق مع المشرف العام عن طريق ايميله .
نعتذر عن كثرة الرسائل اللتى كانت تأتي في وقت سابق والان اصبح لنا ترتيب آخر ولن ترون الازعاج مرة آخرى .
محبكم مشرف القروب .
No comments:
Post a Comment